Thursday, May 29, 2008

السلطة السياسية للرأسمالية الجديدة لا تقبل القسمة .. (3-3)

السلطة السياسية للرأسمالية الجديدة الحاكمة لا تقبل القسمة .. (3-3)

محمد علي خوجلي

المشروع الحضاري" هو غطاء فكري لمصالح شريحة الرأسمالية الجديدة ، ووجدنا في التاريخ نماذج مماثلة : الاشتراكية وتحالف قوى الشعب العاملة في مصر والسودان وسلطة الطبقة العاملة في الدول الشيوعية السابقة .. الخ وكل منها غطاء مصالح لرأسمالية الدولة أو شرائح الرأسمالية او الفئات الاجتماعية الطفيلية من موظفي الأحزاب (المتفرغين) .. فيكون مضيعة للوقت أي حديث عن سطو السلطة الحاكمة على أنشطة تجارية أو تحول موظفين إلى أصحاب مصانع أو أضعاف المنافسين وإخراجهم من السوق إلى آخر ما هو معروف.
إن السياسة هي التعبير المكثف عن الاقتصاد . وعلاقات جميع الطبقات مبنية على مصالحها المادية . والعلاقات السياسية تعلو العلاقات الاقتصادية بين فئات السكان والأمم والشعوب . وبما أن جذور العلاقات السياسية قائمة في الأساس الذي يشكله الاقتصاد فإن هذه العلاقات تؤلف قطاعاً مستقلاً نسبياً بفعل "بصورة ارتدادية" في الاقتصاد ويؤثر عليه من جديد.
وكتبت د. فاطمة بابكر محمود عن خصائص شريحة الرأسمالية الجديدة في السودان من بعد انقلاب 1989 وتتبع ارتقاءها وتطورها منذ (المصالحة الوطنية) 1977 والذي أوجزه في الآتي : شريحة الرأسمالية الجديدة تتكون من مجموعة من الشباب الذين لم يرثوا رأس المال بل تحصلوا عليه عن طريق البنوك وتسهيلات الدولة المهولة التي منحتها لهم والتي اتجهت نحو :
*
الاستثمار في العقار وفاقت في استثماراتها الرأسمالية العقارية التي كانت قائمة.
*
تصدير فائض استثماراتها كودائع في البنوك الرأسمالية خارج السودان (مصر الخليج ، أوروبا ، أمريكا وشرق آسيا) وبعضها يعيد الاستثمار في إفريقيا (تشاد ، إفريقيا الوسطى ، جنوب إفريقيا ونيجيريا).
*
الحصول على الربح السريع باتجاه جزء كبير للتجارة والائتمان أو الصناعات الخفيفة.
*
المشاركة مع الحكومة ورأس المال الأجنبي بصورة انتقائية (ماليزيا ، إندونيسيا) .
*
الاستئثار ببرنامج الخصخصة الذي انتهجته الدولة والذي تحولت بمقتضاه مؤسسات تابعة للدولة للرأسمالية الجديدة.
وأن الخدمات مثل التعليم والصحة قد أصبحتا سلعاً تباع وتشترى ويتم عن طريقها التراكم الرأسمالي لمالكي هذه الخدمة . وأن الدولة والحكومة (السلطة السياسية وجهاز الدولة) قامت بالدور الأساسي في خلق وتأمين العمل الرأسمالي لعضوية حزب الحركة الإسلامية وحلفاءه كما بينت د. فاطمة التداخل في استثمارات شرائح الرأسمالية السودانية بمثال كانت نتائجه :
*
كل المستثمرين في الزراعة مستثمرين أيضاً في التجارة .
* 88%
من المستثمرين في الصناعة مستثمرين في التجارة أيضاً .
* 64%
من المستثمرين في الخدمات مستثمرين في التجارة أيضاً .
وكتب عبد الخالق محجوب (1967) :
"
إن صفة المحافظة ما تزال تسيطر على الرأسمالية السودانية والإحجام عن الاستثمارات الإنشائية التي توسع قاعدة الإنتاج حقاً ما زال ملازماً لها . ولهذا فإن الاهتمام بوراثة القطاع العام يأخذ مكانة متزايدة في نظر رأس المال الأجنبي المتوغل الذي يستهدف وجود طبقة رأسمالية متحالفة معه ..".
وتتضمن السلطة السياسية لطبقة ما ، والتي هي نتاج وشرط لسيادتها الطبقية الاقتصادية سلطة فعلية لممثلي هذه الطبقة على آلة الدولة ، وهؤلاء الممثلون هم أنفسهم دائماً أعضاء في شريحة محددة من الطبقة المسيطرة . ولذلك يمكن للسلطة السياسية أن تكون رهان صراع فيما بين هذه الشرائح إلا أنه يجب عدم خلط السلطة الفعلية بالماسكين بآلة الدولة مع سلطة آلة الدولة المنظمة قانونياً على المجتمع . إن هذه السلطة المنظمة قانونياً هي التي تؤول إلى تحقيق السلطة الفعلية . ولا تظهر السلطة السياسية للدولة أبداً في شكل علاقة مباشرة بين طبقة وأخرى . وصحيح من جهة أن العلاقة الطبقية تحفظ ويعاد إنتاجها على مستوى السلطة السياسية للدولة كما أنه صحيح من جهة أخرى أن وجود الدولة كأداة يحقق في شكل معدل السيطرة السياسية للطبقة السائدة .
ونخلص من جملة ما سبق إلى أن المشاركة في جهاز الدولة (آلة الدولة) عن طريق الاتفاقيات التي عقدها حزب الحركة الإسلامية (شريحة الرأسمالية الجديدة) أو التي سيعقدها لا تمس في الحقيقة (السلطة السياسية الفعلية للشريحة الحاكمة) وهذا هو أساس النزاعات التي نشبت وستنشب بين الحزب الحاكم والحركة الشعبية . فالحركة لا علاقة لها بالسلطة السياسية الفعلية وحتى الآن لا تعتبر معبرة عن شريحة من الرأسمالية الجديدة . وهذا هو الأساس الذي يجعل الحركة الشعبية (حكومة) وهي تأخذ حصصها في سلطة أجهزة الدولة و(معارضة) بحكم أنها ليست طرفا في (السلطة السياسية الفعلية) و"شراكة" الحركة الشعبية و"مشروعية" استمرار السلطة السياسية "الانقلابية" من نتائج اتفاق نيفاشا . وأن الزمن لكفيل بتقرير مآل هذا الوضع المؤقت لكن المحير هو موقف القوى السياسية المعارضة الأخرى .
ولذلك فإن مشاركة القوى السياسية المعارضة (بافتراض اختلاف برنامجها عن برنامج شريحة الرأسمالية الجديدة) في جهاز الدولة بأي أعداد لا تؤثر على السلطة السياسية الفعلية والماسكين بها (راجع الهيئات التشريعية والحكومات وأعداد المستشارين على كافة المستويات ..) إلى آخر . فتكون السلطة السياسية الفعلية غير قابلة للقسمة . لأن القسمة هنا تعني سيادة برنامجين متضاربين في وقت واحد وهو أمر مستحيل.
أما جهاز الدولة فإنه قابل للقسمة بالشراكة أو التحالفات أو الاتفاقيات لأن البرنامج الواحد المسيطر هو الذي يسود وفي حالتنا فالسيادة لبرنامج شريحة الرأسمالية الجديدة . ولا يكون صحيحاً القول بقسمة السلطة السياسية لأن (القسمة) هنا لا تقع في علم السياسة وإنما تنتمي إلى الآيديولوجية .
وحتى قسمة جهاز الدولة تأسست بالاتفاقيات على الجهوية والمحاصصة وذلك إثر مباشرة وسلباً على مطلب (قومية جهاز الدولة) . ولذلك عند مناقشة قانون الخدمة المدنية في الهيئة التشريعية القومية تمت إجازته بالإجماع دون المساس بأجهزة الدولة "الحزبية" القائمة وأقلها مراجعة شاغلي الوظائف الحاليين من حيث الكفاءة والنزاهة ومراعاة القانون الدولي لحقوق الإنسان ..
وقسمة جهاز الدولة بالصور التي تم بها ساعد على إذكاء روح القبلية واتجه بعض (شباب الأحزاب المعارضة) لإقامة تنظيمات مناطقهم للحصول على حصصهم (!) ومثل هذه الأوضاع تمنح الشريحة الحاكمة مساحات كبيرة وجديدة (!) ومنها إشراف الحزب الحاكم على تكوين أجسام جهوية وقبلية حتى داخل المدن الكبيرة والعاصمة القومية (ونشهد القبائل التي تبايع الحزب الحاكم) .
إن إضعاف شريحة الرأسمالية الجديدة لبرنامج أغلبية السكان من الفقراء والعمال والمعدمين يتخذ في المرحلة الراهنة شكلاً جديداً وهو حشد ممثلي الشريحة المسيطرة (المتوافقين مع الحزب الحاكم في المصالح) على نطاق الأحزاب السياسية المختلفة . هي مرحلة تجميع الأشباه داخل أحزابهم بهدف توسيع قاعدة الحكم وتدعيم الكتلة الحاكمة عند الانتقال للأشكال البرلمانية بعد الانتخابات المقررة.
إن مرحلة اختراق الأحزاب السياسية والتجمع الوطني انتهت بعد إنجاز مهامها ونجاح شريحة الرأسمالية الجديدة في قسمة الأحزاب وتجميد اتفاقية القاهرة . والشريحة في هذه المرحلة المتقدمة لا تحتاج للأفراد أو الجماعات قليلة الأعداد ، ضعيفة الأثر وإنما تبحث عن أحزاب بكاملها وتفضل (الكبيرة) وتفضل أكثر الأحزاب التي على قياداتها شرائح من ذات الطبقة فما هو أثر كل على المصالحة والوحدة الوطنية ؟
وإن إحلال دولة الوطن محل دولة الحزب وقومية أجهزة الدولة من معانيها (نزع) السلطة السياسية وهذا (النزع) فشل حتى الآن . فهل يمكن إقامة دولة الوطن وقومية جهاز الدولة مع استمرار السلطة السياسية الفعلية خالصة لشريحة الرأسمالية الجديدة؟
والملاحظة الأولية لمواضيع حوارات اللجان الثنائية بين الحزب الحاكم والأحزاب السياسية الأخرى لا تتجاوز بعض مسائل (الجبهة السياسية) ولا تقترب لما يجري في (الجبهة الاقتصادية) أساس السلطة السياسية الفعلية لحزب المؤتمر الوطني الحاكم فماذا يعني ذلك ؟
للحديث صلة
المصادر :
-
الماركسية وقضايا الثورة السودانية .
-
مناهج التوقع في السياسة
-
الرأسمالية السودانية طليعة للتنمية .
-
الصحف اليومية السودانية .

No comments: